ابن ميثم البحراني

360

شرح نهج البلاغة

بانقطاع مادّته . ومادّته إمّا دواعي نفسه إلى الطلب وميولها وانقطاعها باستيلاء الملال على نفسه وضعفها عن تحمّل المشقّة ، أو مطلوبه وتصوّره لإمكان تناوله وانقطاعه إمّا بإياسه منه أو بإعطائه إيّاه وكانت مادّة تضرّعهم وعبادتهم له تعالى على التقديرين بريئة عن القواطع أمّا من ذواتهم فلأنّ الكلال والملال من عوارض المركَّبات العنصريّة وأمّا مطلوبهم فلأنّه كمال معرفة اللَّه بعد تصورّهم لعظمة ذلك المطلوب . وعلمت أنّ درجات الوصول إليه غير متناهية لا جرم سلب عنهم في معرض مدحهم انقطاع مادّة تضرّعهم ليستلزم ذلك سبب انقطاع تضرّعهم وعبادتهم له . الثالث والعشرون : ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم لمّا كان من قرب من السلطان مثلا من شأنه أن يقوى نفسه ويخفّف هيبته منه وكان ذلك لتناهي ملك ملوك الدنيا وكونه مكتسبا لها وتصوّر المتقرّب إليهم مثليّة لهم وإمكان وصوله إلى ما وصلوا إليه . وكان سلطان اللَّه لا يتناهى عظمة وعزّة وعرفانا لم يتصوّر من العارف المتقرّب إليه أن يخفّف هيبته أو ينقص خشوعه وعبادته بل كلَّما ازدادت معرفته به ازدادت عظمته في نفسه إذ كان يقدّر في سلوكه عظمة اللَّه بقدر عرفانه به فكلَّما غيّر منزلا من منازل المعرفة علم عظمة خالقه فكمل عقد يقينه بذلك وعلم نقصان ذاته فكمل خشوعه وصدن خضوعه ، واستعار لفظ الربق لما حصلوا فيه من الخشوع . الرابع والعشرون : ولم يتولَّهم الإعجاب إلى قوله : حسناتهم أي لم يستول عليهم ، والإعجاب : هو استعظام الإنسان نفسه عمّا يتصوّر أنّه فضيلة له ، ومنشأ ذلك الحكم هو النفس الأمّارة فيتوهّم الإنسان أنّ تلك الفضيلة حصلت له عن استحقاق وجب له بسعيه وكدّه مع قطع النظر عن واهب النعم ومفيضها ، والملائكة السماويّة مبرّؤون عن الأوهام وأحكامها غرقى في الوله إليه ودوام مطالعة آلائه والاستكانه تحت جلال عزّته فلا يستكثرون ما سلف منهم من عبادة ولا يستعظمون ما صدر عنهم من خير . الخامس والعشرون ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم قد ثبت أنّ الملائكة السماويّة دائمة التحريك لأجرامها حركة لا يتخلَّلها سكون ولا يكلَّها ويفترها إعياء